الشيخ الطبرسي

786

تفسير جوامع الجامع

وبينَ ( أنَّى لَهُ الْذِّكْرَى ) تَنَاقُضٌ . ( يَقُولُ يَلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى ) هذهِ ، وهي حَيَاةُ الآخِرَةِ ، أو : وَقْت حَيَاتي في الدُّنيا ، كقَولِكَ : جِئْتُهُ لخَمْسِ لَيال مَضَيْنَ من شَهْرِ كَذَا ، وفيهِ أَوضَحُ دَلاَلة على أنَّهم كانُوا مختارينَ لأَفْعَالِهِم غَيْرَ مُجْبَرينَ عليها ، وإلاَّ فَمَا معنَى التَّحَسُّر . وقُرئَ : " يُعَذَّبُ " و " يُوثَقُ " بالفَتحِ ( 1 ) ، والضَّميرُ للإِنسانِ الموصُوفِ ، وقيلَ : هو أُبيُّ بنُ خَلَف ، أي : لا يُعَذَّبُ أَحَدٌ مثْلَ عَذَابِهِ ، ولا يُوثَقُ أَحَدٌ مثْلَ وَثَاقَهِ لِتَنَاهيهِ في كُفْرِهِ وعِنَادِهِ ( 2 ) أو : لا يَحْمِلُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ، كقَولِهِ : ( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) ( 3 ) ، وقُرئَ بالكَسْرِ ، والضَّميرُ للهِ ، أي : لا يَتَولَّى عَذَابَ اللهِ أَحَدٌ ؛ لأنَّ الأَمرَ للهِ وَحْدَهُ في ذلك اليَوْمِ ، أو : للإِنْسانِ أي : لا يُعَذِّبُ أَحَدٌ من الزَّبانِيَةِ مثْل ما يعذِّبُونَهُ . ( يأيَّتُهَا النَّفْسُ ) على إرادةِ القَوْلِ ، أي : يقُولُ اللهُ للمؤْمنِ : يا أَيَّتُها النَّفْسُ إِكْرَاماً له ، كَمَا كَلَّمَ موسى ( عليه السلام ) ، أو : على لسَانِ مَلَك ، و ( الْمُطْمَئِنَّةُ ) الآمِنَةُ التي لا يَسْتَفزُّها خَوفٌ ولا حزْنٌ ، أو : المطْمَئنَّةُ إلى الحقِّ التي سَكَنَها رُوحُ العِلْمِ وثَلْجُ اليقينِ فَلاَ يُخَالِجُها شَكٌّ ، وإنَّما يقَالُ لَهَا ذلكَ عنْدَ المَوْتِ ، أو : عنْدَ البَعثِ ، أو : عنْدَ دُخُولِ الجنَّةِ ، على معنى : ( ارْجِعِى إِلَى ) مَوْعِدِ ( رَبِّكِ رَاضِيَةً ) بما أُوتِيَتْ ( مَرْضِيَّةً ) عنْدَ اللهِ . ( فَادْخُلِى فِي ) جُمْلَةِ ( عِبَدِى ) الصَّالحينَ ، ( وَادْخُلِى جَنَّتِى ) مَعَهُم . وقيلَ : النَّفسُ : الرُّوحُ ( 4 ) والمعنى : فادْخُلي في أَجْسَادِ عِبَادي ، وقَرَأَ ابنُ عبَّاس : " في عَبْدي " ( 5 ) ، وقَالَ : ارْجِعِي إلى صَاحِبِكَ فَادْخُلِي في جَسَدِ عَبْدي ( 6 ) .

--> ( 1 ) قرأه الكسائي وعاصم برواية المفضّل عنه . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 685 . ( 2 ) قاله ابن عباس في تفسيره : ص 511 . ( 3 ) الأنعام : 164 ، الإسراء : 15 ، فاطر : 18 ، الزمر : 7 . ( 4 ) قاله ابن عباس والضحاك وعكرمة . راجع تفسير الطبري : ج 12 ص 582 . ( 5 ) حكاه عنه ابن خالويه في شواذ القرآن : ص 174 . ( 6 ) تفسير ابن عباس : ص 511 .